جمعية أشبال إفران لكرة القدم: قصة نجاح رياضية تنبض في قلب جبال الأطلس
المقدمة: حكاية تأسيس تجمعها الرؤية والإرادة
في سنة 2019، وتحت سماء مدينة إفران المعروفة بجمالها الطبيعي وطقسها الأطلسي البارد، وُلدت فكرة تحولت إلى حقيقة رياضية متميزة، حين أسست مجموعة من الأطر الرياضية والتربوية جمعية أشبال إفران لكرة القدم. لم تكن البداية سهلة، لكن الإرادة القوية والرؤية الواضحة كانتا المحرك الأساسي لهذه المؤسسة الرياضية التي استطاعت في سنوات قليلة أن تفرض اسمها كواحد من أبرز المشاريع الرياضية الناشئة على المستوى الجهوي.
تأسست الجمعية لتكون منارة رياضية في إقليم إفران، حيث تطمح إلى تقديم نموذج مغاير في تدبير الشأن الرياضي المحلي، يقوم على الاحترافية في التسيير، والعناية الفائقة بالفئات العمرية الصغرى، مع انفتاح دائم على محيطها المحلي والدولي. وما يجعل تجربة أشبال إفران فريدة من نوعها، أنها استطاعت خلال فترة وجيزة لا تتجاوز السبع سنوات أن تبني قاعدة جماهيرية محترمة، وتنخرط بقوة في دينامية رياضية متصاعدة، جعلت منها قدوة يحتذى بها للراغبين في تأسيس أندية كروية جديدة والنهوض بها.
الركائز التنظيمية والطاقم التدريبي
تتأسس الجمعية على هيكل تنظيمي محكم يقوده رئيسها السيد عزيز الحرشي، الذي يضع خبرته وتجربته رهن إشارة هذا المشروع الرياضي الطموح. ويشرف على تسيير الجمعية فريق من الأطر الإدارية والتقنية التي تؤمن بأن النجاح يبدأ من التخطيط الجيد والرؤية المستقبلية الواضحة. وقد حرص القائمون على الجمعية على أن تكون الإدارة شفافة ومنفتحة على جميع الفاعلين، سواء كانوا شركاء أو منخرطين أو أولياء أمور اللاعبين.
ويبلغ عدد منخرطي الجمعية حوالي 400 فرد من مختلف الأعمار، وهو رقم يعكس الثقة التي باتت تحظى بها هذه المؤسسة الرياضية لدى سكان إقليم إفران والمناطق المجاورة. ويسهر الطاقم التقني للجمعية على تأطير هذه الفئات وفق منهجية علمية حديثة، تراعي الفروق العمرية والقدرات الفردية، وتهدف إلى صقل المواهب الشابة وتأهيلها للعب في المستوى العالي.
وتشارك الجمعية في البطولة الجهوية للفئات الصغرى، حيث تخوض فرقها منافسات قوية مع أندية الجهة، مما يوفر للاعبين الشباب فرصة الاحتكاك الحقيقي بمنافسين من مستويات مختلفة، ويكسبهم الخبرة الميدانية اللازمة لتطوير مستواهم الفني والبدني.
استراتيجية العمل: من المحلية إلى الدولية
ما يميز جمعية أشبال إفران عن غيرها من الجمعيات الرياضية المحلية، هو رؤيتها الاستراتيجية الطموحة التي تجمع بين العمل المحلي والانفتاح الدولي. فلم تكتف الجمعية بتكوين الفرق المحلية والمشاركة في البطولات الجهوية، بل سعت إلى خلق جسور تواصل مع الجالية المغربية المقيمة بالخارج، من خلال تنظيم تظاهرات رياضية دولية تجمع أبناء الجالية بأقرانهم داخل المغرب.
وتأتي هذه الاستراتيجية انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الرياضة قادرة على تقوية جسور التواصل، وترسيخ قيم المواطنة، وجعل الرياضة رافعة حقيقية للتنمية المستدامة. كما أن هذا الانفتاح الدولي يتيح للجمعية فرصة تبادل الخبرات والتجارب مع أندية عالمية، والاستفادة من الممارسات الفضلى في مجال تكوين الفئات الصغرى.
دوري الجالية: تظاهرة رياضية بامتياز
تُعتبر تظاهرة دوري الجالية الحدث الأبرز في أجندة جمعية أشبال إفران، وهو الدوري الذي خصص لفئة أقل من 17 سنة (U17)، ويهدف إلى جمع الشباب المغربي المقيم بالخارج بنظرائهم المقيمين داخل المغرب، في أجواء رياضية متميزة تمزج بين التنافس الشريف والتبادل الثقافي.
النسخة الأولى: انطلاقة ناجحة نحو العالمية
انطلقت النسخة الأولى من هذا الدوري الدولي أيام 27 و28 و29 أبريل 2025، تحت شعار: “أبناء الجالية في خدمة التنمية المستدامة”. وقد عرفت هذه النسخة مشاركة واسعة ونوعية، حيث جمعت فرقاً محلية ودولية مثلت الجالية المغربية في المهجر.
على الصعيد المحلي، شاركت كل من: جمعية أشبال إفران (بصفتها الفريق المنظم)، والجمعية الرياضية للقوات المسلحة الملكية، والنادي المكناسي، ومدرسة الريان من فاس، وأكاديمية أقصبي من فاس. أما على الصعيد الدولي، فقد حضرت فرق تمثل جاليات مغربية في ثلاث دول أوروبية كبرى، وهي: نادي نجوم الغد بريدا من هولندا، والنادي الرياضي بيربينيون من فرنسا، وجمعية مرحبا من هولندا.
وقد مثلت هذه المشاركة الدولية فرصة ثمينة للاعبين الشباب للاحتكاك بمستويات فنية مختلفة، وفتحت المجال أمامهم لاكتشاف تجارب كروية متنوعة، كما أتاحت للفرق القادمة من الخارج فرصة التعرف على المؤهلات الطبيعية والسياحية الخلابة التي تزخر بها مدينة إفران ومنطقتها.
النسخة الثانية: تطور ونقلة نوعية
بعد النجاح الكبير الذي حققته النسخة الأولى، عادت الجمعية لتعلن عن تنظيم النسخة الثانية من دوري الجالية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 24 إلى 26 أبريل 2026. وهذه المرة، كانت الطموحات أكبر، والبرنامج أكثر ثراءً، والمشاركة أوسع.
فإلى جانب استمرار الدوري في استقطاب الفرق الوطنية والدولية، شهدت هذه النسخة تطوراً نوعياً تمثل في إدراج مشاركة نسائية لأول مرة في تاريخ التظاهرة. وهو قرار يعكس انفتاح الجمعية على كرة القدم النسوية، وإيمانها بأهمية إشراك الفتيات في المنافسات الرياضية وتشجيعهن على ممارسة كرة القدم.
وقد أكد السيد خالد مسعدي، المتحدث باسم جمعية أشبال إفران لكرة القدم، في تصريح صحفي، أن الجمعية فخورة بتنظيم النسخة الثانية من هذا الدوري، الذي سيجمع فرق الشباب القادمة من إسبانيا وهولندا وفرنسا. وأضاف أن مشاركة الفرق النسائية تمثل خطوة مهمة بالنسبة للجمعية، وأنهم يأملون أن تشجع هذه المبادرة المزيد من الفتيات على اقتحام عالم كرة القدم.
أهداف الدوري وأبعاده
يسعى دوري الجالية، في نسختيه الأولى والثانية، إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية التي تتجاوز البعد التنافسي المحض، ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
تعزيز الروابط بين الشباب المغربي في الخارج ونظرائهم في المغرب: من خلال خلق فضاء للقاء والتبادل، يتعرف أبناء الجالية على ثقافتهم الأصلية، بينما ينفتح شباب الداخل على تجارب إخوانهم في المهجر.
ترسيخ قيم المواطنة والتعايش والروح الرياضية: فالرياضة، كما تؤمن الجمعية، رسالة سامية تحمل قيماً نبيلة، تسمو فوق الاعتبارات الضيقة وتجمع الناس على حب التنافس الشريف.
الترويج للمؤهلات السياحية والرياضية لمدينة إفران: فاستضافة فرق من دول أوروبية متعددة يشكل فرصة للتعريف بمدينة إفران كوجهة سياحية ورياضية متميزة، بما تملكه من طبيعة خلابة ومناخ معتدل.
تبادل الخبرات والتجارب بين الأندية الوطنية والدولية: فاستقدام فرق ذات تجارب كروية مختلفة يتيح للاعبين والمدربين المغاربة فرصة التعرف على أساليب تدريب وتكوين متنوعة.
فتح المجال لاكتشاف وصقل المواهب الكروية الشابة: فالدوري يخلق فضاء تنافسياً عالي المستوى، يتيح للاعبين الشباب فرصة إبراز إمكانياتهم أمام جمهور واسع، وقد يكون بوابة لهم نحو الاحتراف.
الشراكات: نجاح جماعي
لا يمكن الحديث عن نجاح جمعية أشبال إفران دون التوقف عند شبكة الشراكات الواسعة التي أقامتها مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والرياضيين. فالدعم الذي حظيت به الجمعية مكنها من تنظيم تظاهرات دولية بهذا الحجم، وتوفير الظروف الملائمة لاستقبال الفرق المشاركة.
ومن أبرز الشركاء الذين ساهموا في إنجاح هذه المبادرات:
عمالة إفران: التي تقدم دعماً لوجستياً وتنظيمياً مهماً.
المجلس الإقليمي لإفران: الداعم الأساسي للأنشطة الرياضية والتنموية بالإقليم.
الجماعة الحضرية لإفران: التي توفر الفضاءات والمرافق العمومية لإنجاح التظاهرات.
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة: الداعم الرسمي للرياضة المدرسية والهواة.
وزارة الشباب والثقافة والتواصل: التي تؤمن بأهمية الرياضة كفضاء للتواصل والتبادل الثقافي.
جمعية منتدى إفران للثقافة: التي تساهم في إغناء الجانب الثقافي والترفيهي للتظاهرات.
هذه الشراكات المتعددة تعكس النظرة التشاركية التي تنتهجها الجمعية، وإيمانها بأن النجاح يتحقق بالعمل الجماعي وتضافر الجهود بين جميع الأطراف المعنية بالشأن الرياضي والتنموي في الإقليم.
التأثير المحلي: تنشيط الحركة الرياضية بإفران
بعيداً عن الأضواء التي تسلطها التظاهرات الدولية، تواصل جمعية أشبال إفران عملها اليومي على المستوى المحلي، حيث تساهم بشكل فعال في تنشيط الحركة الرياضية بالمدينة والإقليم. فالوجود النشط للجمعية، بتنظيمها للمباريات والدوريات المحلية، ومشاركتها في البطولات الجهوية، يشكل إضافة نوعية للمشهد الرياضي المحلي.
وتسعى الجمعية من خلال عملها إلى تحقيق أهداف مجتمعية نبيلة، من أبرزها:
فتح مجال الممارسة الرياضية على المستوى الإقليمي: فكثير من الشباب كانوا يعانون من ندرة الفضاءات والأطر المؤطرة، وجاءت جمعية أشبال إفران لتسد هذه الثغرة.
مساعدة الشباب على التألق في مجال كرة القدم: من خلال تقديم تكوين جيد، وإتاحة فرص المشاركة في منافسات قوية، تفتح أمامهم آفاقاً مستقبلية واعدة.
تربية النشء على القيم الرياضية النبيلة: فالانضباط، والروح الجماعية، والاحترام، والتضحية، كلها قيم يكتسبها اللاعبون الصغار من خلال ممارستهم المنتظمة للرياضة في كنف الجمعية.
التغطية الإعلامية والتواصل
أولت جمعية أشبال إفران أهمية بالغة للتواصل والتغطية الإعلامية لأنشطتها، إيماناً منها بأن الإعلام شريك أساسي في نجاح أي مشروع رياضي. وقد دعت الجمعية مختلف وسائل الإعلام الوطنية والجهوية والمحلية لمواكبة فعاليات دوري الجالية في نسختيه الأولى والثانية.
كما عقدت الجمعية لقاءات صحفية، كان آخرها يوم الأربعاء 1 أبريل 2026، بمقر النادي الرياضي بإفران للكرة الحديدية، خصصته لتقديم البرنامج الرسمي للنسخة الثانية من الدوري، والتعريف بالفرق المشاركة القادمة من فرنسا وإسبانيا وهولندا. وهذا الاهتمام بالجانب الإعلامي يعكس professionalism الجمعية، ورغبتها في إيصال رسالتها إلى أكبر جمهور ممكن.
خاتمة: آفاق مستقبلية واعدة
في سبع سنوات فقط، استطاعت جمعية أشبال إفران لكرة القدم أن تنتقل من فكرة إلى مشروع رياضي متكامل، قادر على تنظيم تظاهرات دولية، وجذب شركاء كبار، وتكوين مئات اللاعبين الصغار، وترك بصمة واضحة على المشهد الرياضي بجهة فاس-مكناس.
إن تجربة هذه الجمعية تحمل العديد من الدروس المستفادة، من أهمها أن النجاح لا يرتبط بالضرورة بحجم الإمكانيات المادية، بل بالرؤية الواضحة، والعمل الجاد، والانفتاح على الآخر، والشراكات النوعية. فالجمعية استطاعت، رغم حداثتها، أن تكون نموذجاً يُحتذى به في تدبير الشأن الرياضي المحلي، وأن تثبت أن كرة القدم يمكن أن تكون أكثر من مجرد لعبة، بل أداة للتنمية والتواصل وبناء جسور المحبة بين الشباب من مختلف البلدان.
مع النجاح المتواصل لدوري الجالية، والتطور المستمر في عدد المنخرطين وجودة التكوين، ومع الانفتاح المتزايد على كرة القدم النسائية، تبدو آفاق جمعية أشبال إفران لكرة القدم واعدة جداً. والكل يترقب ما ستقدمه هذه الجمعية في السنوات القادمة، مؤكدين أن الأشبال سيكونون، حتماً في المستقبل القريب، قدوة للراغبين في تأسيس نوادي كروية جديدة والنهوض بها.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق